الشيخ عبد الغني النابلسي

139

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

لأنّهم لا تصرّف لهم في أنفسهم فهم بحكم ما يريده بهم سيّدهم ولا شريك له فيهم فإنّه قال : عِبادُكَ فأفرد . والمراد بالعذاب إذلالهم ولا أذلّ منهم لكونهم عبادا . فذواتهم تقتضي أنّهم أذلّاء فلا تذلّهم فإنّك لا تذلّهم بأدون ممّا هم فيه من كونهم عبيدا . وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ أي تسترهم عن إيقاع العذاب الّذي يستحقّونه بمخالفتهم أي تجعل لهم غفرا يسترهم عن ذلك ويمنعهم منه . فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ [ المائدة : 118 ] أي المنيع الحمى . فذكرهم اللّه تعالى في حال غيبتهم عنه وانحجابهم عن شهوده قبل حضورهم بين يديه بكشف الغطاء عنهم وارتفاع الحجاب عنهم بالموت والبعث يوم القيامة كما قال تعالى : فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق : 22 ] حتى إذا حضروا وانكشف عنهم غطاؤهم بين يدي اللّه تعالى تكون الخميرة وهي ما حمض من العجين يوضع فيها يعجن فيستحيل كله خميرا ، وذكر اللّه تعالى لهم في الدنيا على هذا الوصف بلسان نبيين معصومين عليهم السلام اعتناء بهم ونوع حضور منهم وإن لم يحضروا معه ، ولولا حضوره تعالى واعتناؤه لما حضر معه من حضر واعتنى به ، فكان ذكره تعالى لهم بمنزلة الخميرة لحضورهم وذكرهم له في الآخرة قد تحكمت ، أي خميرة ذكره لهم في العجين من حقائقهم المذكورة له تعالى فصيرته ، أي ذلك العجين مثلها ، أي مختمرا بسريانها فيه واستحالته إليها فإنهم عبادك فأفرد الخطاب بالكاف للّه تعالى للتوحيد ، أي لأجل التوحيد الاضطراري الذين كانوا عليه من حيث حقائقهم القائمة به تعالى وإن لم يشعروا لانطماسهم بالكفر ودعوى الشريك معه تعالى . قال تعالى : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ( 67 ) أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ( 68 ) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً ( 69 ) [ الإسراء : 67 - 69 ] . ولا ذلة أعظم من ذلة العبيد وهوانهم وحقارتهم لأنهم ، أي العبيد لا تصرف لهم في أنفسهم أصلا فمنهم ، أي العبيد قائمون بحكم ما يريد بهم سيدهم ، أي مولاهم من جميع الأحوال ولا شريك له ، أي لسيدهم فيهم فإنه ، أي عيسى عليه السلام قال عبادك فأفرد الخطاب للّه تعالى ، لأنهم إذا كانوا عباده وهم كثيرون كان هو سيدهم ومولاهم وهو واحد لا شريك له فيهم . والمراد بالعذاب من قوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ في نفس الأمر إذلالهم ، أي